Main Music Movies Live Cafe
Community Travel Services Join Us Contact Us

Mr. Ahmed Farouk Elbeshlawy

المقدمة

في خطى الحكماء

كانت مصر الفرعونية بلد الحكماء . لأكثر من ثلاثة آلاف سنة شغلوا أنفسهم
بالبحث عن الشبع الروحاني من خلال ممارسة الحكمة المتجسدة في إلهة أسموها
"مات" . "مات" تعني الاستقامة ، الحق ، الحقيقة ، الانضباط و العدل ،
القانون الكوني الثابت ، المنطق و الصلابة . و هي الضد التام لـ "أيسفت" ، الفوضى
، عدم النظام ، فساد الأمور ، الشر بجميع أشكاله .

  و قد استهدف حكماء مصر فتح الروح و القلب من خلال تعاليمهم لاستقبال "مات" .

و يرمز لـ "مات" أيضا بريشة طائر ، و قاعدة التماثيل التي تم إعادتها
للحياة من خلال الطقوس ، و الدفة التي تمكن العدل من عبور نهر الوجود و
الوصول إلى ضفاف الخلود .

  و كلمة "سيبايت" عند قدماء المصريين تعني "التعليم" ، و هي مشتقة من
الجذر "سيبا" التي تشتمل معانيه على "باب" و "نجم" . و من الممكن
بالفعل اعتبار الكتابات التي سيتم ذكرها في هذا الكتاب أبوابا
تؤدي إلى أسس الحكمة ، و نجوما ترشدنا في طرقات الحياة .

  الانتصار على الجهل ضرورة . إن الإنسان لا يولد حكيما ، و يجب أن يبذل
مجهودا جادا لتطوير الإمكانات التي يحتاجها كي يستطيع
"التكلم وفقا لـ مات" و "فهم مات" دون أن يقع في حبائل الكبر و الطمع .
يجب تدريب الأذن يوميا على سماع الكلمات الحكيمة ، و إذا فهم
الإنسان التعاليم تماما من الممكن أن يصل إلى الاستقامة .
و التصرفات العادلة التي تتفق مع مفاهيم "مات" تولد من هذا الفهم .
فعل الشيء دون غرور بالنفس هو مثال مشرق للآخرين ، شريطة أن يكون
هذا الفعل متفقا مع القاعدة الذهبية : "أن تفعل الشيء منسوبا للفاعل
الأعلى" .

  يصور الحكيم المصري نفسه فيقول : "هو من يعرف الواقع و الخرافات
و الطقوس" ، فهو قلب راض ، و لسان بسيط ، قادر على إرضاء الإله
الواحد و الآلهة ، لأن وجوده كله يعتمد على المعرفة و ليس
الاعتقادات . و هو يمارس الصمت و السكون ، و يبتعد عن الاند
فاعيين ، و عن النميمة و الحسد . و هو من يتم العمل الصحيح ، و يجد
الفضيلة في كل شيء ، و لا يتجنب المسئولية أبدا ، و يحترم كل
ما له قيمة . هذه هي بعض المهام اليومية للحكيم الصادق .

  و لأن الحضارة المصرية عرفت كيف تشكل أناسا على هذه الشاكلة ،
استطاعت التغلب على الزمان ، و على الهمجية ، و على الغزاة و جنون
التدمير . فعلى الرغم من كل تلك الاضطرابات ، ما زالت هذه الحكمة
تشرق حتى اليوم ، و تستطيع مس حياتنا . و بلا شك هي سر مصر القديمة
الحقيقي و جوهر ما خلفه المصريون القدماء.

  ماذا نعرف عن الحكماء الذين قاموا بتأليف هذه التعاليم ؟ من
بينهم فراعنة مثل "أمنمحات الأول" الذي كتب عهدا روحانيا لخليفته
"سيزوستريس الأول" ليعطيه خبرته و يرشده إلى فن الحكم بواسطة
الحكمة . و من قبله ملك آخر قام بنفس الشيء من أجل الفرعون التالي "ميري-كا-رع" .
و من المرجح أن الكثير من الحكام قاموا بكتابة ذلك المستند
و لكن أعمالهم فقدت ، أو من الممكن أن تكون موجودة إلى الآن ، و لكن
راقدة تحت الرمال .

  لقد ترك لنا "حور جيديف" - ابن الفرعون "خوفو" ، الذي أقام الهرم
الأكبر بالجيزة - وثيقة تدل على أنه كان من الحكماء ، و تلك صفة
ليست بغريبة على أحد مستشاري الملك . و كان من بين الوزراء  -
الذين يتم تعيينهم بواسطة الفرعون نفسه كي يتأكدوا من تطبيق تعاليم
"مات" في جميع مجالات المجتمع - كتاب لوثائق الحكمة ، مثل "بتاح حوتب"
الذي بقيت أعماله على مر الزمان بمعجزة على ورقة بردي واحدة.

و كان ذلك الوزير من الأسرة السادسة قد بلغ من العمر مئة و عشر سنة ،
عندما أدرك أنه يجب أن يدون أفكاره و خبرته على البردي من أجل
الأجيال القادمة . و تنتمي أقدم وثيقة تم التعرف عليها - و لم يبق منها إلا
البداية فقط - إلى "قاقمنا" وزير الفرعونين "حوني" و "سنفرو" ، مؤسس
الأسرة الرابعة . و من الاحتمالات القوية أن "إمحوتب" ، باني
الهرم المدرج بسقارة قام بتدوين أفكاره أيضا ، و لكن لم يتم
العثور عليها بعد ، كما لم يتم العثور على مقبرته .

  و قام آخرون من الحكماء مثل "إيبو - أور" بالتنبؤ بما يمكن أن يحدث من كوارث
إن لم يحترم الناس قانون "مات" ، و بأن الحل الوحيد الذي
يعود بالعالم إلى الانسجام بعد أن تعم الفوضى هو إعادة اكتشاف
الحكمة .

  و في أيام الدولة الحديثة ، إبان مجد الكرنك و وادي الملوك لمع
اسمان بارزان في سماء الحكمة : "آني" ، و كان موظفا حكوميا رقيق
الحال قام بكتابة وثيقة موجهة لابنه الروحاني ، و "أمينيموب
" الذي كان كاتبا مختصا بتعاليم الإله "توث" و مشرفا على تسجيل
الأراضي و الأوزان و المقاييس . كان لأعمالهما صدى قوي
مثل أعمال "بتاح حوتب" ، و هناك فقرات من "سفر الأمثال" تعود في
أفكارها إلى "أمينيموب" .

  نادرة هي قصص الحكماء ، و كان علينا انتظار جمرة الحضارة المصرية
و هي تخبو كي نصل إلى وثيقة "عنخ شيشونك" لنعلم أنه ختم أعماله في السجن .
لقد اكتشف ذلك الحكيم مكيدة مدبرة ضد الفرعون ، و لكن لم يقم
بإبلاغ السلطات لأن أعز صديق له كان متورطا بها . و لكننا نعرف
الآن على الأقل أنه لم يكن أسطورة فحسب ، فحتى في سجنه لم يفكر
الحكيم بشيء غير إتمام أعماله و توصيلها لمن بعده .

  و في هذه المقتطفات الأدبية ، لن نقيد أنفسنا بالتعاليم فقط ، حيث
أن "نقوش الأهرام" و "مخطوطات النواويس" و "كتاب الموتى" ، و الكتابات المحفورة
على حوائط المعابد و الشواهد ، و القصص الموجودة في "حكايات الواحات" و وثائق
أخرى عديدة ، كلها تمدنا بأقوال شتى . و من هذه الثروة العظيمة
اخترنا بعض الوثائق التي نستطيع بدرجة عالية من الثقة أن نحدد
مصدرها . و من الأهمية إدراك أن تلك المخطوطات بالغة الصعوبة أحيانا ،
و هناك العديد من الفقرات التي تطرح ألغازا لم يتم حلها حتى الآن .
إن البحث و التنقيب لا يجب أن يقتصرا على الآثار الحجرية ، لأن هناك
العديد من الاكتشافات المذهلة تنتظر هؤلاء الذين يبحثون في
الأشكال العديدة للأدب المصري.

  إن هذا الكتاب يهدف إلى أن يكون مرشدا أو طريقا يتخلل خريطة الفكر
المصري القديم ، و هو يثبت - و إن كنا لسنا بحاجة لإثبات - أن الصوت الجليل
لحكماء مصر القديمة ما زال يعيش إلى اليوم . فهذا الصوت ما زال
يحدثنا بقوة و ثبات مذهلين ، و يقدم لنا أجوبة لأسئلة أساسية .
إن سؤالهم الأزلي يطرح نفسه اليوم بنفس القوة : ما الذي
يمكن أن يعلو أهمية عن طلب الحكمة ؟

إنني أدعو كل قارئ مصري يعتز بمصريته أن يحاول تصور المجتمع
المصري القديم ، و سلوك القدماء و أخلاقياتهم و آدابهم من خلال
تأمل نصوصهم و قراءة ما بين سطورها . فسوف يدرك في النهاية أنه إنما
قد أزال تراب الزمن المتراكم فوق سطح مرآة ، فتعرف على صورته
فيها . إنها نفس الصورة القديمة الحميمة ، تحوي الوجه الخمري النبيل
ذا النظرة العميقة الثابتة المدركة لوقائع الأمور ، و الابتسامة
النيلية الهادئة ، التي لا تخلو من سخرية حكيمة بما وصل إليه العالم
من فوضى ، سببها ضياع الحكمة الحقيقية في دهاليز الزمن وسط
الغوغاء من العابثين و المتطرفين و الكسالى و أنصاف الرجال .

و ختاما لا يسعني إلا أن أتقدم بخالص الشكر لصديقي و أخي الأستاذ
صلاح أحمد عليوه الذي قام بمناقشة هذه الترجمة معي تفصيلا ،
و أصلح لي الكثير من أخطائي التعبيرية لتمكنه تمكن الشاعر من ناصية
اللغة العربية و إحساسه المرهف بجمالها و عمق معانيها . و أيضا صديقي و
أخي الأستاذ السيد جودة على كونه أول من نصحني بقراءة أعمال "كرستيان
جاك"  -  ذلك الفرنسي المتيم بحب مصر - و على ما أضاف على العمل من ملاحظات قيمة . كما أشكر
صديقي و أخي الأكبر المهندس توفيق نصر الدين راضي على ملاحظاته
و إضافاته ، و يكفيهم جميعا و يكفيني أنهم يشاركونني حبي
الجارف لحضارة مصر القديمة و اقتناعي التام بنبل دماء شعب
النيل الأسمر ، الذي حاباه الله بنعمتين من أكبر النعم فجعله
منتميا لأعرق السلالات البشرية و معتنقا لأشرف الأديان السماوية .  


Previous Page

Home

Next Page

The Egyptian Castle Copyright Magic Enterprise 1997-2004  
e-
Mail us
This site is best viewed using ie.gif (7090 bytes)